قبل سنوات، وعندما وصل اللاعب الإسباني، فيرناندو موريانتيس، إلى فريق ليفربول قادما إليه من ريال مدريد، سأله أحد الصحافيين الإنجليز عن عدد الأهداف التي ينوي تسجيلها فيما تبقى من البطولة الحالية فرفض موريانتيس أن يحدد رقما معينا واكتفى بالقول إنه يعد بالعمل الجاد والتضحية.
بعدها فاز فريق ليفربول في نهاية عصبة الأبطال بمعجزة حقيقية بعد أن كان منهزما أمام فريق ميلان الإيطالي في الشوط الأول بثلاثة أهداف لصفر، وتحولت هذه الهزيمة إلى انتصار غرائبي حمل ليفربول من جديد إلى منصات التتويج العالمية بفضل لاعبيه الإسبان ومدربه الإسباني، وعقليته التي أصبحت أيضا إسبانية.
قبل سنوات فقط لم يكن اللاعبون الإسبان يجدون الكثير من الترحاب في ملاعب كرة القدم الأوروبية. فهم تعودوا على الفشل عندما يخرجون من إسبانيا، ولذلك ظلوا متقوقعين داخل الليغا الإسبانية في انتظار عروض لم تكن تأتي أبدا، وحتى عندما تأتي فإنها تكون باهتة وفاشلة ويعود بعدها الإسبان إلى عقر دارهم بعد موسم أو موسمين وعلى وجوههم علامات الشحوب والبؤس مثلما حدث للاعب ريال مدريد السابق مارتن باسكيث، الذي كان نجما في إسبانيا وذهب إلى إيطاليا وعاد بعدها إلى بلاده مثل شبح، أو لاعب أتلتيك مدريد خوسي ماري الذي ذهب إلى إيطاليا أيضا ليعاني مرارة الفشل ثم عاد كما عاد غيره من اللاعبين الذين خرجوا من إسبانيا فحدث لهم ما حدث لفراخ الحمام الذين أوصتهم أمهم ألا يغادروا العش، فلما غادروه أكلهم الثعلب.
والغريب أن أكثر البلدان التي فشل فيها اللاعبون الإسبان كانت إيطاليا. فهي تستعلي عليهم وتطحنهم وتعيدهم إلى بلادهم جثثا هامدة.
وسائل الإعلام الإسبانية كانت تحاول أن تجد بعض العذر لهؤلاء اللاعبين الإسبان الذين يفشلون خارج البلاد إما بسبب الأجواء الحارة… أو الأجواء الباردة، أو في طبيعة الأكل مثل البيتزا كثيرة البهارات، أو السباغيتي الكثير الملح… وغير ذلك من الأعذار التي كانت تشبه حجب الشمس بالغربال. بل إن موريانتيس عندما ذهب إلى ليفربول ولم يجد الكثير من الحظ في الأسابيع الأولى بسبب الدهشة الأولى التي تعتري اللاعبين الجدد القادمين إلى بلاد الضباب، فإن الجو البارد جدا كان هو السبب، وعندما عاد اللاعب إلى لحظات سعده قيل إنه تعود على الأجواء الباردة.
مشجعو الفرق الإنجليزية صاروا يتفاءلون كثيرا بوصول الإسبان خلال السنوات الأخيرة. وعكس ما يحدث في إيطاليا التي تنظر بنوع من الاستعلاء نحو الإسبان، فإن الإنجليز لا تنقصهم برودة الدم لكي يعترفوا أن الإسبان حملوا البهجة إلى الدوري الإنجليزي، والإنجليز عادة ما يتفاءلون بكل ما يأتي من إسبانيا. يتفاءلون بالنبيذ حتى يُسكرهم التفاؤل، ويتفاءلون بلحم الخنزير الإسباني حتى تنتفخ أوداجهم وتصبح كجمر ملتهب، ويتفاءلون بنغمات الفلامنغو.. لكنهم لا يعرفون كيف يرقصون على إيقاعه فيكتفون بالإنصات.
