في شارع السلام بطنجة، وبعد التاسعة ليلا من كل يوم، تبدأ فتيات كثيرات في التجول على الرصيف وهن يحولن عيونهن المزوقة ذات اليمين وذات الشمال. تمر السيارات بطيئة ويسترق سائقوها النظر إلى الأرصفة بحثا عن فريسة في المستوى.
في كثير من الأحيان يكون هذا الشارع عرضة لحوادث سير لأن سيارات تتوقف بشكل مفاجئ بعد أن يلحظ سائقوها فتاة أو مجموعة فتيات يبحثن عن صيد. في أحيان كثيرة تحدث حزازات بين سائقين من أجل الظفر بفريسة متميزة. وفي كل الأحوال فإن الكلمة الأخيرة تعود ل”الفريسة” التي تختار زبونها منذ النظرة الأولى، ليس إلى وجهه، بل إلى سيارته.
عاملات أم داعرات؟
الأغلبية الساحقة من الفتيات اللواتي يجبن شارع السلام في سلام هن من العاملات في معامل المناطق الصناعية لطنجة، وأغلبهن جئن من مدن وقرى بعيدة. جئن إلى المدينة من أجل الانخراط في ازدهارها الاقتصادي، وأيضا من أجل البحث عن ازدهار شخصي يوزعن فيه أجسادهن ما بين الآلة والفراش. كل شيء في طنجة أصبح مباحا من أجل التنمية.
شارع السلام يأوي بالخصوص فتيات يمارسن الدعارة من أجل الحصول على مصروف إضافي لأن أجرتهن الشهرية لا تتجاوز في الغالب 2500 درهما، وهن يحتجن إلى مزيد من المال لكي يرسلنه إلى أهلهن في مناطق بعيدة. إنهن يشعرن ببعض الغربة في هذه المدينة التي يقسو قلبها على سكانها كل يوم، لكنهن أيضا يستخدمن هذه الغربة وبعدهن عن أهلهن من أجل العمل والدعارة.
السيد والخادمة
في حوالي العاشرة والربع مرت فتاة من الشارع بجلباب مزركش ضيق مفتوح حتى أعلى الركبة وشعر مسبل يبدو أنها تعبت كثيرا في “إطلاقه” على تلك الطريقة، بينما صنعت من وجهها الأبيض المستدير لوحة فنية. كان هذا المشهد كافيا لكي تتوقف ثلاث سيارات مرة واحدة وتطاردها فيما يشبه مسابقة رالي مفتوحة. لم تصعد تلك الفتاة في أية سيارة، لكنها توجهت نحو سيارة فارهة “كات كات” سوداء كانت متوقفة قرب مخبزة، وصعدت في هدوء. المشهد كان واضحا، حسب تاجر في الشارع يعرف جيدا خارطة الطريق للدعارة في منطقته. صاحب السيارة الفارهة هو نفسه مسؤول كبير في معمل معروف للخياطة، والفتاة عاملة في نفس المعمل. لقد اختار أحسن ما عنده، وحملها ذلك المساء في سيارته إلى مكان مغلق.
جاءت تلك الفتاة مشيا على الأقدام من منطقة “بن ديبان” الشعبية في كامل زينتها حتى ارتمت قرب مشغلها، ثم سار بها إلى أي مكان يريد. لا فرق عنده بين آلة خياطة في معمله وبين عاملة خياطة. كل شيء ملكه. البشر والآلات في ملكية الباطرون.
مجرد مثال
إنه مثال من عشرات أو مئات الأمثلة التي تحدث كل ليلة. عاملات يبحثن عن مال إضافي، ومشغلوهن الذين لا يهمهم المال حين يتعلق بصرفه على متع خارج القانون. أصحاب المعامل يتفاوضون بشراسة حين يتعلق الأمر بالزيادة في الأجور، لكنهم ينفقون بسخاء حين يتعلق الأمر بإنفاق المال على جسد عاملاتهن. الفرق هنا واضح بين أجر العرق وأجر الجسد.
