طنجة أنتر – أ. فلاح:

قد تكون من بين الأشياء الأكثر غرابة في المغرب، حيث لا يجب أن تستغرب، وهي أن أقرب جماعة لأوروبا لا يوجد بها ماء ولا كهرباء لساعات طويلة، بل لا توجد بها محاسبة على الإطلاق، رغم أنها توجد بمحاذاة أكبر ميناء مغربي وأحد أكبر الموانئ العالمية، ميناء طنجة المتوسط.

وإذا كان ممكنا رؤية أضواء ميناء طنجة المتوسط من على مسافة عشرات الكيلومترات، بل إن الأضواء الساطعة لهذا الميناء يمكن رؤيتها في عنان السماء، حتى من داخل إسبانيا، فإن هذا الخير العميم من الأنوار الساطعة التي يغرق فيها الميناء المتوسطي، يخفي نكبة حقيقية للمناطق السكنية المجاورة، حيث تغرق مناطق في الظلام بسبب ضعف التيار، أو انعدامها بالمرة، وعلى الخصوص جماعة قصر المجاز، التي يبدو أنها تعيش خارج الزمن.
وخلال الأسابيع والأشهر الماضية، تحولت جماعة قصر المجاز إلى ما يشبه “غيتو” مفصول نهائيا عن الحضارة، حيث تنقطع المياه عن الجماعة لساعات طويلة، وكذلك الشأن بالنسبة للكهرباء، بحيث تتحول حياة السكان إلى جحيم. ويتسبب الانقطاع المتكرر والطويل في الكهرباء بالجماعة إلى نكبة حقيقية للسكان، حيث تفسد الكثير من المواد الغذائية، وكذلك الأدوية التي تحفظ في الثلاجات، وهو شيء يصفه السكان بأنه “أبارتهايد” مقزز.
وبسبب غياب الصيانة الدورية للحبال الكهربائية وتهالك الشبكة وقدمها، يغرق جزء كبير من سكان المناطق المجاورة، مثل الدالية وقصر المجاز، في الظلام، أو يصلهم تيار ضعيف جدا لا يرقى الى قوة 220  فولت المعتادة، وهو ما يسبب  مشاكل مادية معنوية للسكان، الذين يكتفون ببركة مشاهدة الأنوار العملاقة للميناء المتوسطي، وكأنهم في جزيرة معزولة في قلب البحر وليسوا على مرمى حجر من الميناء.
وتنطفئ باستمرار المصابيح وتتوقف أجهزة التلفاز  والثلاجات ومضخات الماء في المناطق السكنية المحاذية للميناء، هذا إن حالفها الحظ ولم  تحترق وتتلف بسبب “جنون الكهرباء”.  وسبق للسكان أن عبروا  بطرق حضارية عن سخطهم على الخدمات الضعيفة جدا لمستخدمي المكتب الوطني للكهرباء، سواء عبر الشكاوي الشفوية في الوكالة أو بجمع التوقيعات وبيانات جمعيات المجتمع المدني والصحافة الورقية والإلكترونية دون جدوى.
والمثير أن  المواطنين الذين يعانون من هذا الوضع السريالي هم أنفسهم الذي  انتزعت منهم أملاكهم وأراضيهم  لإقامة أكبر مشروع في المغرب، وهو الميناء المتوسطي.

ويبدو أن السكان، عوض أن ينالوا حقهم من التنمية، يكتفون الآن بالاحتراق بلهيبها، إنهم يطلون على التنمية دون أن تصلهم بركاتها، بل لم تصلهم حتى أبجدياتها وأولوياتها من ماء وكهرباء، فهذه المناطق المجاورة للميناء غير مزودة بالربط الفردي للمياه، والكهرباء ضعيفة أو تنقطع دون سابق إنذار وفي أية لحظة، وبعدها يؤدون مبالغ كبيرة في فواتير المكتب الوطني للكهرباء، أما باقي اشكال التنمية وفروعها فتلك حكاية أخرى!…

ويبدو أن المسؤولين الذين يفخرون ببركات الميناء المتوسطي، لم يستوعبوا بعد أن المغرب موجود في الصف 123 عالميا من حيث التنمية، أي بعد ليبيا واليمن والعراق وسوريا، ومن يشاء معرفة السبب فليتأمل هذا التناقض الصارخ والمريض بين أكبر ميناء في المغرب وبين أقرب جماعة لأوروبا، ليعرف أن الأبارتهايد له أشكال كثيرة..!

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version