قبل عقدين فقط لم يكن الإسبان يتصورون أن أجواء شهر رمضان في بلادهم ستصبح شبيهة بأجواء هذا الشهر في عدد من البلدان والعواصم الأوروبية التي تعرف وجودا كبيرا للمهاجرين المسلمين مثل لندن وباريس ومارسيليا أو بروكسل أو أمستردام وغيرها من المدن.
لكن الارتفاع الكبير في عدد المهاجرين المسلمين في البلاد جعل المدن الإسبانية الكبرى تتشابه في تفاصيلها الرمضانية مع مدن أوروبية لها تاريخ طويل في مجال الهجرة، على الرغم من أن مهاجري إسبانيا مازالوا يلملمون أطرافهم من تبعات تفجيرات السنة الماضية.
شظايا التفجيرات
وعلى الرغم من مرور أزيد من عشر سنوات على تفجيرات مدريد في 11 مارس 2004 التي راح ضحيتها حوالي مائتي شخص من ركاب قطارات مسافرين، والتي اتهم مهاجرون مسلمون بتدبيرها عقابا لحكومة اليمين على تحالفها مع الولايات المتحدة الأمريكية في غزوها للعراق، إلا أن تبعات ذلك مازال يخيم على الوضع العام للمهاجرين المسلمين في البلاد، مثل قيام مجهولين بكتابة عبارات عنصرية على جدران مساجد أو احتجاج سكان إسبان على فتح أو بناء مساجد جديدة، أو إلقاء رأس خنزير على قطعة أرضية سيبنى عليها مسجد في مدينة إشبيلية، إضافة إلى أحداث أخرى يره فيها المهاجرون تنغيصا عليهم في أيامهم العادية، و تصبح أكثر من ذلك خصوصا خلال شهر رمضان.
خبراء التمور
ويرى عدد من المهاجرين أن المناسبات الدينية في إسبانيا، مثل شهر رمضان أو الأعياد، أصبح يثير المخاوف أكثر مما يثير الأفراح، فيما يرى آخرون أن مظاهر شهر رمضان في جنوب إسبانيا تصبح مع مرور الأعوام أكثر قوة.
وصارت العشرات من المتاجر في المنطقة تبيع التمر واللحم الحلال وباقي مستلزمات شهر رمضان، إضافة إلى مطاعم تعد وجبات جاهزة للصائمين وعلى رأسها حساء الحريرة المغربية، وهناك تجار إسبان في المنطقة أصبحوا بدورهم يستوردون التمور الجيدة ويعرضونها للبيع، إلى درجة أصبحوا معها خبراء في أنواع التمور الجيدة وفي أسعارها، وهم يبدؤون في عرض بضاعتهم بضعة أسابيع قبل رمضان لأنهم صاروا مثل المسلمين في ترصد توقيته، لكن لأهداف تجارية طبعا.
“ألخيسيراس” مغربية
وفي الجزيرة الخضراء يصعب أحيانا لمن يزور أحياءها الشعبية أول مرة أن يفرق عن كان في مدينة مغربية أو إسبانية. فهذه المدينة الشاطئية التي توجد على بعد خمسة عشر كيلومترا فقط عن المغرب، أصبحت مستقرا لمئات التجار المغاربة الذين فتحوا فيها العشرات من المطاعم والمتاجر ووكالات الأسفار.
مغاربة وباكستانيون
وفي مدينة برشلونة، وهي من أكبر مدن إسبانيا، تصبح لرمضان رائحته الخاصة، حيث أصبحت الأجواء في هذه المدينة، التي تضم مئات الآلاف من المهاجرين المسلمين، شبيهة إلى حد ما بأجواء بروكسل أو لندن. ففي التجمعات الكبرى للمهاجرين مثل حي “رافال” بالمنطقة القديمة توجد نسبة كبيرة من المهاجرين الباكستانيين الذين يستعدون مبكرا لشهر الصيام.
وتتمازج في هذه المنطقة التقاليد الباكستانية والمغربية في استقبال شهر رمضان. وهناك تجار باكستانيون كثيرون يستعدون لرمضان في أجواء تشبه إلى حد ما أجواء كراتشي أو لاهور، بينما تصبح التقاليد المغربية سيدة مناطق أخرى مثل “تاراسا” أو “موتريل” أو مناطق أخرى تعرف وجودا مكثفا للجالية المغربية.
وتتشابه مدينة مدريد مع مدينة برشلونة من حيث كثافة المهاجرين المسلمين. وتتميز مدريد كونها تضم واحدا من أكبر الأحياء في المدينة وهو حي “لابابييس” الذي تتحول أزقته الضيقة ومتاجره المتراصة إلى نسخة تشبه في الكثير من تفاصيلها شوارع مدن عربية تقليدية في بضائعها وروائحها خلال شهر رمضان.
