طنجة أنتر – تطوان:
من غريب الصدف أنه في الوقت الذي توقفت الأشغال في مستشفى الأمراض الصدرية عن العمل، فإن بلدة بنقريش أصبحت تعاني أكثر من الانعكاسات الخطيرة للمقالع الموجودة حول أطرافها، حيث استفحلت معه الأمراض الصدرية للسكان، الذين كانوا يعيشون زمن الحماية وسط هواء نقي جدا مع مستشفى متطور، واليوم صاروا يعيشون تحت رحمة مقلع متوحش مع مستشفى مقفل. إنها صورة كاريكاتورية.
هكذا خرجت بلدة بنقريش من هدوء الزمن الجميل إلى ضجيج الزمن الرديء، فكانت المقابلة بين إغلاق المستشفى وتنمر المقلع أهم دليل على تغير لم يتوقعه أحد. والمثير أن المنطقة تناسلت فيها المقالع التي صارت تنفث سمومها على الطبيعة والسكان.
بدأت معاناة سكان دار بنقريش مع المقالع منذ سنوات طويلة، وبالتحديد قبل أزيد من 15 سنة، ومنذ ذلك الوقت ظل السكان يحتجون ويراسلون الجهات المعنية وينظمون وقفات احتجاجية لمناهضة ما أسموه “مافيا المقالع” والمتواطئين معها حيث تعرضت الفرشة المائية بالمنطقة لأضرار كبيرة، وهي المنطقة التي كانت معروفة بمياهها الغزيرة والعذبة، كما تحولت الغابات إلى مكب للغبار والأحجار والنفايات، ومع ذلك لم يتحرك أحد.
وأهم ما يتداوله السكان عن هذه المقالع هو أن صاحب مقلع حصل على تراخيص الاستغلال سنة 2004، بينما نواب الجماعة السلالية “وافقوا” على الاستغلال سنة 2005، أي أن صاحب المقلع حصل على الترخيص قبل موافقة الجماعة السلالية بسنة كاملة، لكن الأدهى من كل هذا هو أن طلب الاستغلال الذي تقدم به صاحب المقلع مؤرخ في سنة 2006 !
اليوم يطالب السكان لجان المراقبة والتفتيش بزيارة هذه المقالع من أجل هدف واحد، وهو الاطلاع على مدى احترامها للمعايير المعمول بها في هذا المجال، وأيضا الاستماع إلى شكاوى السكان والاطلاع على معاناتهم، ومعاينة الأضرار البشرية والبيئة الفظيعة التي تسببت فيها هذه المقالع.
الجرائم المرتكبة في حق الطبيعة بالمنطقة تجاوزت ذلك إلى أفعال مباشرة عبر قطع قرابة آلاف الأشجار من أشجار العرعار النادرة، وهي أشجار محمية وطنيا ودوليا، لكن ذلك لم يحرك الجهات الوصية، وعلى رأسها قطاع المياه والغابات.
وسط كل هذه المتاهة فإن بلدة بنقريش صارت اليوم بين مطرق المقالع والفساد وبين سندان اليأس والتطرف. لذا يبدو مؤسفا أن بلدة ببضعة آلاف من السكان لم تعد تختلف عن جارتها الكبرى تطوان أو مناطق مجاورة أخرى في تفريخ اليائسين المستعدين لارتكاب أية حماقة في أي وقت.
وربما تكون بنقريش نموذجا لما تعرفه تطوان وأحوازها بشكل عام، والتي فرخت عددا كبير من المتطرفين الذين التحقوا بتنظيم “داعش” خلال السنوات الأخيرة حيث لم يكونوا سوى حطب في معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل. هذا التهميش جعل، أيضا، الكثير من شباب المنطقة ينغمسون في آفة المخدرات، وحين يتحالف التطرف مع المخدرات فإن مظاهر الخلل تكون واضحة، وأيضا العلاج يكون أوضح.
