طنجة أنتر (الأهرام):
هى قبلة راغبى الهجرة السرية من إفريقيا إلى أوروبا، وأحد الملفات الخلافية بين مملكتى المغرب وإسبانيا على مدى قرون وحتى الآن، وواحدة من نقطتى التقاء الحدود البرية بين القارة الإفريقية والاتحاد الأوروبى.. إنها مدينة سبتة، شبه الجزيرة، التى يحدها البحر الأبيض المتوسط من الشمال والجنوب والشرق، ولا تزيد مساحتها على 19 كيلومترا مربعا، لكنها تحمل تاريخا صاخبا، وتنوعا حضاريا وثقافيا تختلط فيه الأعراق.. «الأهرام» زارت سبتة، التى تبعد نحو 26 كيلومترا عن مضيق جبل طارق، الواقع تحت السيادة البريطانية، للتعرف على واقع المدينة وما يميزها عن غيرها.
جغرافيا تعد سبتة، التى يقطنها نحو 82 ألف نسمة حسب تعداد عام 2011، إحدى المدن الواقعة على ساحل البحر المتوسط شمال المملكة المغربية، ونظرا للأهمية الإستراتيجية لموقعها، حرص البرتغاليون على احتلالها عام 1415، وبعد اتحاد المملكتين الإسبانية والبرتغالية أصبحت تحت سيادة إسبانيا، والتى تمسكت بالسيطرة عليها، مع مدينة مليلية، بعد استقلال المغرب عام 1956، وتتمتع المدينتان حاليا بالحكم الذاتى، منذ مصادقة البرلمان الإسبانى على قرار الحكومة منحهما هذه الميزة عام 1995، ويتطلب الدخول إليهما تأشيرة «شنجن»، باعتبارهما جزءا من الاتحاد الأوروبى، إلا لبعض المواطنين المغاربة، حيث يتم السماح بدخول سبتة أو مليلية لسكان المدن المغربية المجاورة لكل مدينة منهما، حسب قواعد تضعها سلطات كل مدينة ويتم تحديثها كل فترة.
طريق السحاب
الطريق إلى مدينة سبتة من العاصمة المغربية الرباط هو نفس الطريق السريع المؤدى إلى المدن المغربية الشمالية، مثل طنجة وأصيلة والفنيدق وغيرها، وتتنوع التضاريس حوله على امتداد أكثر من 300 كيلو متر تفصل الرباط عن سبتة، فبينما يمر الطريق فى بدايته من جهة الرباط بين المزارع والحقول وغابات البلوط، يعبر بعد ذلك فى مرتفعات تكسوها الخضرة، ويظل الطريق فى صعود إلى ما قبل مدينة الفنيدق، أقرب المدن المغربية إلى سبتة، حيث يصل إلى السير داخل السحاب، بحيث يقل مستوى الرؤية، وتنخفض درجات الحرارة بشكل كبير، وتصل سرعة الرياح إلى مستويات عالية، تعطى الإحساس بركوب الطائرة وليس السيارة، قبل أن يبدأ الطريق بالانخفاض تدريجيا حتى الوصول إلى الجانب المغربى من بوابات العبور إلى سبتة.
قبل البوابات يقف الراغبون فى العبور بسياراتهم فى طوابير لإنهاء الإجراءات والحصول على ختم الخروج من المغرب، بعد خضوع السيارات والأمتعة التى تحملها لتفتيش دقيق، وتحمل معظم هذه السيارات أرقام دول الاتحاد الأوروبى، حيث يكون غالبية العابرين من المغاربة المقيمين بأوروبا، يدخلون إلى سبتة ثم يواصلون رحلتهم إلى إسبانيا بركوب عبارات تنقلهم بسياراتهم إلى ساحل أوروبا الجنوبى.
وبجانب السيارات هناك بوابات مخصصة لعبور المشاة من المغرب إلى إسبانيا، ومعظمهم من ساكنى سبتة، أو من المغاربة الذين يعملون بها ويعودون يوميا إلى الجانب المغربى، حيث يصلون إلى البوابات بالمواصلات العامة المغربية، ويعبرون – سيرا على الأقدام – المسافة الفاصلة بين بوابات الجانب المغربى والإسبانى، التى تصل إلى نحو 250 مترا، ليستقلوا المواصلات العامة الإسبانية.
مدينة التنوع
عقب عبور جانبى البوابات المغربى والإسبانى، ينقل الطريق الساحلى الضيق الزائر إلى داخل مدينة سبتة، ولا يستغرق الأمر أكثر من بضع دقائق يصعد فيها الطريق بشكل متواصل، وتظهر المبانى المشابهة لمعظم المدن المغربية، الاختلاف الوحيد يتمثل فى اللافتات المكتوبة باللغة الإسبانية، وأرقام السيارات وحافلات النقل العام، وعلى يسار الداخل إلى المدينة تظهر الشوارع الضيقة المتعامدة على الطريق الساحلى، والتى تتصاعد مستويات أرضياتها كلما بعدت عن ساحل البحر.
وسط مدينة سبتة تقع منطقة المشى، حيث غير مسموح للسيارات دخولها، وفيها عدد كبير من المحال التجارية، لماركات الملابس والإكسسوارات العالمية، ومجموعة كبيرة من المطاعم الراقية، وهى جميعا قريبة من الميناء البحرى وساحل البحر المتوسط.
تركيبة سكان سبتة المتنوعة تظهر للزائر بشكل واضح، سواء من خلال ملامح الوجوه أو من الملابس، فهناك السكان من أصول مغربية، وهناك من ينحدرون من أصول أوروبية، وهناك المهاجرون الأفارقة، ويشكل المسلمون نحو 43% من مجموع سكان المدينة، حسب الأرقام الصادرة عن اتحاد المجتمعات الإسلامية فى إسبانيا، ويبدو من إعلانات بيع أو إيجار الشقق استخدام السكان لأرقام الهواتف الإسبانية والمغربية أيضا، فعلى معظم لوحات الإعلانات المعلقة على شرفات الشقق يوجد رقمان هاتفيان للتواصل مع المعلن، أحدهما مغربى والآخر إسبانى، وفى المطاعم والمحال التجارية لا يختلف الوضع، فالعاملون مختلطون ما بين مغاربة أو شباب إسبان ينحدرون من أصول مغربية من جهة الأب أو الأم، أو أفارقة مهاجرون.
وتعبر التماثيل البرونزية، المنتشرة على «كورنيش المتوسط» وفى ميادين وشوارع سبتة، عن التنوع الحضارى والثقافى الذى تزخر به المدينة، حيث تجمع بين الشخصيات المغربية التى أثرت فى تاريخها وفى تاريخ العالم، وتوثق أيضا تاريخ الإسبان فى المدينة وجانبا من حياتهم اليومية، وتعتبر بمثابة متحف مفتوح لتماثيل البرونز فى المدينة.
تاريخ السيطرة
موقع سبتة الجغرافى جعلها تاريخيا المسيطرة على مدخل مضيق جبل طارق، وهو ما دفع القوى المختلفة إلى التسابق على السيطرة عليها، حيث يعتقد الباحثون أن الإغريقيين هم أول شعب عاش بالمنطقة، ويستندون فى ذلك إلى التراث الأدبى الذى تُجسده ملحمة الأوديسة الشهيرة، إذ يتفقون على أن التلال المحيطة بسبتة وبجزيرة البقدونس القريبة منها كانت موقعا لأحداثها، إضافة إلى أسطورة هرقل المعروفة، ويعتبر البعض أن القرطاجيين هم أصل المدينة، معللين ذلك بالعثور على نقود قرطاجية بجبل الميناء، وبالحروب القرطاجية الرومانية الثانية فى مضيق جبل طارق.
وانتقلت السيطرة على سبتة من القرطاجيين إلى الرومان ثم البيزنطيين، وبعدها خضعت للقوطيين، إلى أن أصبحت فى بداية القرن الثامن تحت حكم ولاة الخلفاء الأمويين، وبعدها تحت سيادة الدول التى حكمت المغرب الأقصى من الأدارسة والمرابطين ثم الموحدين فالمرينيين، إلى أن احتلها البرتغاليون سنة 1415. وتختلف المصادر التاريخية حول أصل تسمية مدينة سبتة بهذا الاسم، بين التفسير الدينى للكلمة الذى يربطها بسبت بن سام بن نوح عليه السلام، والتفسير اللغوى الذى يرى أن الاسم جاء من التعبير «سبت النعل» كما جاء فى نزهة المشتاق، والتفسير التاريخى الذى يرى أن سبتة مشتق من اسم رومانى، كان يُطلق على مجموع المرتفعات، التى يتكون منها جبل موسى والتلال المجاورة الممتدة على طول المضيق.
خلاف المغرب وإسبانيا
المملكة المغربية تعتبر، منذ استقلالها، سبتة جزءا من أراضيها، وترفض الاعتراف بشرعية الحكم الإسبانى عليها وعلى مدينة مليلية، وتصنفهما باعتبارهما مدينتين محتلتين، بينما ترفض إسبانيا هذا الوصف، معتبرة أن المدينتين ضمن أراضيها، وتستشهد بأن منظمة الأمم المتحدة لا تصنفهما أراضى محتلة، وعادة ما يطفو الجدل حول هذا الملف الخلافى بين المملكتين مع كل هزة تشهدها العلاقات الثنائية، وكان آخرها الأزمة الدبلوماسية بين البلدين، والتى أدت إلى إغلاق بوابات سبتة لأكثر من عام، قبل إعادة فتحهما للعابرين هذا الصيف، وخلال الأزمة طالب مسئولون فى سبتة البرلمان الإسبانى بسن قانون يفرض تأشيرة الشنجن لدخول المدينة على جميع المغاربة، دون استثناء لسكان المدن المغربية المجاورة كما هو عليه الحال حاليا.
ويتمتع سكان سبتة من أصل مغربى بحقوق كاملة داخل المغرب كباقى المغاربة، وبين وقت وآخر يتحدث مسئولون مغاربة عن رغبة المملكة فى فتح ملف استعادة سبتة ومليلية للتفاوض مع إسبانيا، خصوصا مع تصاعد موجات محاولات الهجرة السرية إلى أوروبا عبر المدينتين، وسقوط ضحايا من المهاجرين خلال هذه المحاولات، حيث يمكن الوصول إليهما سباحة فى البحر المتوسط من المدن المغربية المجاورة، أو عبر تسلق السياج الحدودى.
بينما ترفض إسبانيا مناقشة وضع سبتة ومليلية، معتبرة أنها أراض إسبانية تتمتع بالحكم الذاتى، وذات وضع قانونى دولى مستقر منذ عقود.
