طنجة أنتر:

قبل أسبوعين حدث ما لم يكن متوقعا وغرق زورق سريع.. سريع جدا.. في مياه سبتة، بعدما طاردته دورية للبحرية المغربية، فغرق مثقوبا بالرصاص الإسباني، وتمت مصادرة قرابة طن من الحشيش، نصفها صادرتها السلطات المغربية وأخرى صادرتها السلطات الإسبانية.
بعد اعتقال سائق الزورق، سفيان، الملقب بكوبالا، تبين أن الزورق في ملكية شركة يملكها شخص يسمى طارق، ولقبه “الهولندي”، ليس لأنه هولندي فعلا، بل هو ابن مدينة تطوان، ويتنقل بين المغرب وإسبانيا، وله علاقات غير محدودة، جعلت منه أحد أبرز وجوه المجتمع المخملي الجديد في المدينة، مجتمع يتفاخر بالثروات وبالعلاقات النافذة التي تحمي من برد الشتاء وحرارة الصيف.
مباشرة بعد اكتشاف مصدر الزورق اعتقلت السلطات الأمنية في تطوان المدعو طارق، وكان عليه أن يثبت، في محضر أمني، أن لا علاقة له بعملية “كوبالا”، وأن الزورق في ملكية شركته، وأن كوبالا اكترى الزورق كما يمكن أن يكتريه أي مواطن، فالشركة التي يملكها “الهولندي” لا تتدخل فيما لا يعنيها، بل لا يهمها أن تعرف إن كان الزورق سيحمل مصطافين أو مخدرات.
لكن هذا الكلام لم يفد طارق كثيرا، لأنه بعد ذلك تم اعتقاله من طرف الدرك، وكانت الأسئلة أعمق وأدق، وعلى طارق أن يجيب على أسئلة أكثر تعقيدا، منها علاقته بسفيان كوبالا.
ولكي نفهم الموضوع أكثر، فإن اسم طارق الهولندي كان قد قفز قبل بضعة أسابيع إلى الواجهة، في أوج الحرب المشتعلة بداية الصيف بين عدد من الأطراف حول أحقية استغلال الملك البحري بشواطئ تطوان. يومها ظهرت كتابات على جدران قريبة من الشاطئ، والتي كانت تندد بمنح الإخوة أبو زعيتر رخصة استغلال ملك بحري بمنطقة مارينا، وهي نفسها التي كان يستغلها طارق الهولندي لكراء الزوارق والجيتسكي، وتم اتهام طارق بالوقوف وراء هذه الكتابات، غير أن مصادر مقربة من طارق نفت ذلك بقوة، واعتبرت الأمر مؤامرة محبوكة من “جهات ما”، وبعدها تم التوصل إلى حل وسط، فحصل الإخوة أبو زعيتر على رخصة استغلال ملك بحري في منطقة فارهة بمارينا، وتم تعويض طارق برخصة أخرى في شاطئ قريب.. وكفى الله المؤمنين شر القتال.
منذ ذلك الوقت لم يعد أحد يتحدث عن الموضوع، حتى غرق زورق كوبالا في مياه سبتة قبل أسبوعين، وتم استدعاء طارق للتحقيق، ومع كل هذا قفزت إلى الواجهة حياة الرغد والتبذير التي تعرفها شواطئ تطوان هذا الصيف على الخصوص، والضبط منطقة مارينا، حيث لا قيمة للمال ولا للوقت، وحيث يتنافس المهربون مع الشياطين في التبذير.. وهم في الأصل إخوان.
لكن المشكلة أن شواطئ تطوان لم تجمع فقط المهربين والمبيضين، بل جمعت الكثير جدا من الفاسدين، الذين يبيعون أرواحهم للشيطان مقابل المال، وصار من الطبيعي أن يجتمع في مطعم أو ملهى واحد أصناف المهربين والمتواطئين.
في مائدة واحدة بهذه الأماكن المترفة أو في اليخوت الفارهة في عرض البحر يمكن أن يوجد النمر والضبع والغزال والذئب والخروف والكلب والقط والفأر وسراق الزيت، ولا أحد يؤذي الآخر، فهناك قانون جديد للسلسلة الغذائية، والجميع يأكل شيئا واحدا.. المال.
ومن أجل فهم أكبر لطبيعة هذه الأمكنة، فإن حجز أرخص مائدة بالملاهي يكلف 30 ألف درهم، أما الموائد القريبة من “الخشبة” فتكلف أكثر من 60 ألف درهم، من دون حساب “المشروبات”، وهذا ما يفسر كيف جاء مغني على متن طائرة خاصة من الدار البيضاء إلى ملهى بشواطئ تطوان وحصل على 20 مليون سنتيم لليلة واحدة، والبعض يقول 50 مليون.
أما نوع المشروبات فذلك كلام آخر. الأغبياء والمزاليط فقط يشربون البيرة، أما أبناء الثروة الكتامية فهم أرقى بكثير من البيرة الألمانية الرخيصة.
إنها ليالي ألف ليلة، وعندما غرق زورق كوبالا فإن ذلك قد يكون مقدمة لغرق الكثيرين، في تطوان وخارج تطوان، وقد نكون أمام مرحلة شبيهة بحملة التسعينات التي كان من أبرز رؤوسها الديب والدرقاوي واليخلوفي وكثير من المسؤولين الفاسدين، أو حملة منير الرماش ومن معه بعد ذلك.. حملة الطايح فيه أكثر من النايض.
(يتبع)
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version