طنجة أنتر:
الطريق القديم لشاطئ الدالية، على بعد 35 كلم من طنجة، الذي كان منذ الأمس البعيد بالسبعينيات والثمانينات معبدا بالكامل ومنظما بطريقة تشبه المنتزهات الأوروبية وتظلله أشجار الصنوبر والكاليبتوس بالنهار، صار اليوم عبارة عن خنادق ويمكن أن يحمل اسم “طريق الموت”.
هذا الطريق الذي كان، قبل عقود، مضاء بالكامل بالليل انطلاقًا من الطريق الوطنية رقم 16 حتى منارة رأس سيريس، حيث كان السائح والزائر يجد في استقباله موقفا للسيارات وأدراج وسلالم يصل عبرها حتى أمواج الشاطئ، صار اليوم يعاني من الظلام والانهيار، وهو الموجود على بعد بضعة امتار من اضخم واكبر ميناء بالمغرب، الميناء المتوسطي، هذا الميناء الذي يفخر مسؤولوه بمعاملاتهم الضخمة، بينما القرى والطرق تنهار من حولهم.
كان هذا الطريق في أحسن حلة بميزانية صفر درهم، أيام كانت الدالية أحسن شاطئ في المغرب بمياه أصفى من الذهب وإطلالة ايكولوجية وبيئية قل نظيرها حيث يلتقي فيها بحران، واحد تسود فيه زرقة مياه مضيق البوغاز، وآخر أخضر لغابات الصنوبر والعرعار والكاليبتوس.
كان ذلك قبل ولادة المصطلحات الوهمية مثل اللواء الأزرق والتنشيط الصيفي وغير ذلك، وقبل ظهور وسائط التواصل الاجتماعي والجمعيات التنموية “المعاشية” وقبائل المطبلين والمزمرين وواضعي المساحيق الإعلامية .
الآن، جزء كبير من الطريق انهار تحت ضغط انجراف الرمال والأتربة الناتجة عن موت الأشجار وما تبقى منه سينهار بفعل تآكل الدعامات gabions.
الأشجار في المنطقة تموت واقفة الواحدة تلو الأخرى، والأزبال تؤثث الخنادق والأودية وتتراكم سنة بعد أخرى، والظلام يسود المكان وسط الحديث عن ميزانية ضخمة تفوق 100 مليون سنتيم، وهناك من يقول إنها تفوق الـ 200 تصرف على الشاطئ كل سنة دون أن يظهر لها أثر لا على البيئة المحلية المحيطة بالشاطئ ولا على الساكنة المحلية، علما أن تدخل المؤسسات التنموية يجب أن يكون دا طابع إنمائي اقتصادي واجتماعي تراكمي يسعى إلى الاستدامة.
وبعملية حسابية بسيطة يمكن تصور مجموع الأموال المصروفة على هذا الشاطئ طيلة السنوات الماضية ومن المستفيد منها، ومن حق الناس ان يتساءلوا أين هي التنمية، وهل هذه التنمية تلبس طاقية إخفاء سحرية تظهر للبعض وتختفي عن الآخرين؟ وهل تباع نظارات خاصة لمشاهدة أثارها السحرية؟
ما يجري في شاطئ الدالية محزن، لأن مئات الملايين تصرف كل صيف على أنشطة بلا معنى وتستفيد منها جمعيات الريع ورهط من المصفقين الذين يجلسون في حضن “طيمسا” يرضعون من ثديها، بينما لا وجود للتنمية في المنطقة بمفهومها الحقيقي، كل ما في الأمر هو كل سنة توجه الميكروفونات وعدسات الكاميرا وأضواء الكشافات الضوئية إلى أماكن بعينها، فيما تبقى المناطق الأخرى غارقة في الهشاشة والظلام والفوضى.